ابن قيم الجوزية
410
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
كلة الأمر إلى مالكه « وهو على ثلاث درجات . كلها تسير مسير العامة . الدرجة الأولى : التوكل مع الطلب ، ومعاطاة السبب على نية شغل النفس بالسبب مخافة ، ونفع الخلق ، وترك الدعوى » . يقول : إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على اللّه . ولا يترك الأسباب . بل يتعاطاها على نية شغل النفس بالسبب ، مخافة أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ . فإن لم يشغل نفسه بما ينفعها شغلته بما يضره . لا سيما إذا كان الفراغ مع حدة الشباب ، وملك الجدة ، وميل النفس إلى الهوى ، وتوالي الغفلات ، كما قيل : إن الشباب والفراغ والجده * مفسدة للمرء أيّ مفسده ويكون أيضا قيامه بالسبب على نية نفع النفس ، ونفع الناس بذلك . فيحصل له نفع نفسه ونفع غيره . وأما تضمن ذلك لترك الدعوى : فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلص من إشارة الخلق إليه ، الموجبة لحسن ظنه بنفسه ، الموجب لدعواه . فالسبب ستر لحاله ومقامه . وحجاب مسبل عليه . ومن وجه آخر ، وهو أن يشهد به فقره وذله ، وامتهانه امتهان العبيد والفعلة . فيتخلص من رعونة دعوى النفس ، فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب : سلم من هذه الأمراض . فيقال : إذا كانت الأسباب مأمورا بها ففيها فائدة أجلّ من هذه الثلاث . وهي المقصودة بالقصد الأول ، وهذه مقصودة قصد الوسائل . وهي القيام بالعبودية والأمر الذي خلق له العبد ، وأرسلت به الرسل ، وأنزلت لأجله الكتب . وبه قامت السماوات والأرض . وله وجدت الجنة والنار . فالقيام بالأسباب المأمور بها : محض العبودية . وحق اللّه على عبده الذي توجهت به نحوه المطالب ، وترتب عليه الثواب والعقاب ، واللّه سبحانه أعلم . قال « الدرجة الثانية : التوكل مع إسقاط الطلب . وغض العين عن السبب . اجتهادا لتصحيح التوكل ، وقمعا لشرف النفس . وتفرّغا إلى حفظ الواجبات » . قوله : « مع إسقاط الطلب » أي من الخلق لا من الحق ، فلا يطلب من أحد شيئا . وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد . فإن الطلب من الخلق في الأصل محظور . وغايته : أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطر ، ونص أحمد على أنه لا يجب . وكذلك كان شيخنا يشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال . وسمعته يقول في السؤال : هو ظلم في حق الربوبية ، وظلم في حقّ الخلق ، وظلم في حق النفس . أما في حق الربوبية : فلما فيه من الذل لغير اللّه ، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه ، والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين ، والتعرض لمقته إذا سأل وعنده ما يكفيه يومه . وأما في حق الناس : فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال ، واستخراجه منهم . وأبغض ما إليهم : من يسألهم ما في أيديهم ، وأحب ما إليهم : من لا يسألهم . فإن أموالهم محبوباتهم ، ومن سألك محبوبك فقد تعرض لمقتك وبغضك .